خليل الصفدي
260
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
بدائه ، قد حسد على النار من أمسى مذنبا وأصبح عاصيا ، وتمنى أن يرى من فواكه الجنات عنابا وقراصيا ، فإن كانت هذه الأمطار تكاثر فضائل مولانا فيا طول ما تسفح ، وإن كانت العواصف تتشبه ببأسه فيا طول ما تلفح ، وإن كانت البروق تحاكي ذهنه المتسرع فيا طول ما تتألق ، وإن كانت قوس قزح تتلون خجلا من طروسه فيا طول ما تتألق ، وإن كانت الرعود تحاكي جوانح أعدائه فيا طول ما / تشهق وتفهق ، وإن كانت السيول تجري وراء جوده فإنها تجري طول المدى وما تلحق ، والأولى بهذا النوء الباكي أن لا يحاكي ، والأليق بهذا الفصل المبغض أن لا يتعرض ، فرحم اللّه من عرف قدره ، وتحقق أن مولانا في الجود ندره . فأجابني عن هذه الرسالة برسالة أخرى وهي : ووقف عليه ، وتيمن بمجرد إقباله عليه ، وقبّله لقرب عهده بيديه ، وعدّه لجلاء المرة ، وأمرّه على عينيه وشكره . وإن لم تزل حقائب الشكر محطوطة لديه ، لا برح السهد من جنى ريقه المعلّل ، والطرب بكأس رحيقه المحلّل ، والتيه وحاشاه منه في سلوك طريقه المذلل ، والسحاب لا يطير إلا بجناح نعمائه المبلّل ، والروض لا يبرز إلا في ثوب تزخرفه المجلل ، والبرق لا يهتز في مسبل ردائه المسلل ، والجهد ولو كلّف لا يجيء بمثل سيره المذلّل ، والنّصر يقضي لمواضيه على حدّ حسامه المفلّل ، والفجر لولا بيانه الوضاح لما أرشد ليله المضلّل ، والبحر لولا ما عرف من عباب كرمه الزاخر لما ذمّ على عرر المادة نواله المقلل ، والفخر وإن شمخ أنفه لا ينافس عقده الموشح ولا يتطاول إلى تاجه المكلّل ، وفهمه فهام ، واقتبسه فجلا الأوهام ، ونظر فيه فزاد صقال الأفهام ، وقصر عن إدراكه فما شك أنه إلهام . وانتهى فيه إلى الجواب في وصف أنواء تلك الليلة الماطرة وما موّهت به السحب من ذهب برقها ، وفتلته الأنواء من خيوط ودقها ، ونفخت فيه الرياح من جمر كانونها ، وأظهرته حقيقة الرعود من سرّ مكنونها . وما ينبته عارضه ذلك العارض الممطر الذي هو أقوى من شآبيبها ، وأوقى